محمد متولي الشعراوي
343
تفسير الشعراوي
وقد كان من الممكن أن يأخذهم اللّه بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم السابقة . . أما وقد شرع اللّه لهم أن يتوبوا . فهذا فضل من اللّه وعفو . . ثم يقول الحق تبارك وتعالى : « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » . . فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى : « فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » اللّه سبحانه وتعالى يقول لهم . . أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم أو آخذكم منه . . ولكن أنا الذي خلقتكم . ولكن الخالق شئ والبارىء شئ آخر . . خلق أي أوجد الشئ من عدم . . والبارىء أي سوّاه على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم . . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) ( سورة الأعلى ) ومن هنا نعرف أن الخلق شئ والتسوية شئ آخر . . بارئكم مأخوذة من برئ السهم . . وبرئ السهم يحتاج إلى دقة وبراعة . وقوله تعالى : « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » لأن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه . فكأنك في هذه الحالة لا بد ان تعيد له الحياة التي وهبها لك . . وعندما نزل حكم اللّه تبارك وتعالى . . جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفا . وقال لهم ان الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده . . ولكنهم حين وقفوا للتنفيذ . كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوى رحمه أمامه فيشق عليه التنفيذ . . فرحمهم اللّه بان بعث ضبابا يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ القتل . . وقيل أنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفا . وعندما حدث ذلك أستصرخ موسى وهارون ربهما . . وقالا البكية البكية . أي أبكوا عسى أن يعفو اللّه عنهم . ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم اللّه . . وقوله تعالى : « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » لأن هذه الأنفس بشهوتها وعصيانها . . هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج . . إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب . لأن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير اللّه . كونه يقدم نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده